حكم صيام شهر رجب
يُعَدّ شهر رجب من الأشهر الحُرُم التي لها مكانة رفيعة في قلوب المسلمين، إذ يرتبط بالاستعداد لمواسم الطاعة المقبلة.
ويكثر السؤال بين الناس حول صيام شهر رجب وحقيقته الشرعية، وما إن كان له فضل خاص ثابت عن النبي ﷺ. وتنبع أهمية هذا الموضوع من انتشار أقوال متعددة بين الترغيب والتخصيص، ما يستدعي بيان الحكم الصحيح بالدليل. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تناول المسألة بطرح علمي واضح يُزيل اللبس ويقرّب الفهم.
وتكمن قيمة الحديث عن صيام شهر رجب في كونه عبادة عظيمة يُراد بها التقرب إلى الله على بصيرة، لذلك نسعى من خلال هذا المقال من موقع “مدى بلس” إلى توضيح الحكم الشرعي بأسلوب مبسّط، مع التفريق بين المشروع والمبتدع،كما يهدف إلى تقديم خلاصة موثوقة تعين القارئ على العمل الصحيح وفق هدي السنة.
مكانة شهر رجب في الشريعة الإسلامية
يحتل شهر رجب منزلة خاصة في الإسلام، فهو من الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله تعالى، وجعل لها حرمة ومكانة رفيعة في النفوس. وقد كان المسلمون عبر العصور ينظرون إلى هذا الشهر باعتباره محطة إيمانية تُمهّد لمواسم الطاعة، وتدعو إلى تعظيم الشعائر والانضباط بأحكام الشرع.
● يُعد شهر رجب أحد الأشهر الحُرُم الأربعة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.
● تتجلى مكانة شهر رجب في تحريم الظلم والاعتداء فيه بصورة أشد.
● كان السلف الصالح يعظمون شهر رجب ويجعلونه وقتًا لمراجعة النفس.
● يُنظر إلى شهر رجب كمرحلة تمهيدية روحية قبل شعبان ورمضان.
● لا تُشرع فيه عبادات مخصوصة، وإنما تُعظَّم فيه الطاعات عمومًا.
من المهم إدراك أن مكانة شهر رجب في الإسلام ثابتة من حيث كونه شهرًا حرامًا، لكن تعظيمه لا يعني إحداث عبادات لم تثبت عن النبي ﷺ. فالفهم الصحيح يوازن بين تعظيم الزمان والالتزام بما ورد في السنة، حتى تكون العبادة خالصة وصحيحة.
يتساءل كثير من المسلمين عن حكم صيام شهر رجب في الشريعة الإسلامية، خاصة مع انتشار أقوال متباينة حول فضله وتخصيصه بالصيام. وتبرز أهمية هذا الحكم في ضبط العبادة وفق الدليل الشرعي، والتمييز بين السنة الصحيحة والاجتهادات التي لا أصل لها.
1 الأصل في صيام شهر رجب أنه داخل في صيام النوافل العامة دون تخصيص أيام بعينها.
2 لم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح يدل على فضل خاص لصيام شهر رجب كاملًا.
3 يجوز الصيام فيه لمن اعتاد صيام النفل كصيام الاثنين والخميس أو الأيام البيض.
4 يكره عند بعض العلماء إفراد شهر رجب بالصيام اعتقادًا بخصوصية لم تثبت شرعًا.
5 العبرة في صيام رجب تكون بالنية الصحيحة واتباع السنة دون ابتداع.
ملاحظة:
ينبغي للمسلم أن يتعامل مع صيام شهر رجب على أنه عبادة تطوعية عامة، لا تُربط بفضل مخصوص لم يرد به دليل. فسلامة المنهج تكون باتباع هدي النبي ﷺ، وتعظيم الأشهر الحُرُم دون تجاوز حدود المشروع.
أقوال المذاهب الأربعة في حكم صيام شهر رجب
اتفقت أقوال المذاهب الأربعة على أن صيام شهر رجب من حيث الأصل داخل في صيام التطوع العام.
لكنهم أكدوا أنه لم يثبت نص صحيح يخص رجب بفضلٍ معين في الصيام دون غيره من الشهور.
ولذلك فالصيام فيه جائز، بشرط ألا يُعتقد أن له عبادة خاصة أو حكمًا زائدًا عن غيره من الشهور.
يرى الحنفية والمالكية كراهة إفراد شهر رجب بالصيام كاملًا إذا صاحَبَه اعتقاد بخصوصية شرعية.
أما إن صامه المسلم على أنه نافلة كسائر الشهور فلا حرج في ذلك عندهم.
والكراهة عندهم جاءت سدًّا للذريعة ومنعًا بما لم يثبت في السنة.
بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الصيام في رجب دون كراهة من حيث الحكم العام.
لكنهم شددوا على أن تخصيصه بالصيام واعتقاده سنة ثابتة أمر غير صحيح.
فالخلاصة عند الجميع أن العبرة بالنية وعدم إحداث عبادة لم يرد بها دليل بنص صريح
الفرق بين الصيام في شهر رجب وبقية الشهور
شهر رجب من الأشهر الحرم وله مكانة خاصة في الإسلام، لكن الصيام فيه لا يختلف جذريًا عن الصيام في باقي الشهور من حيث الأحكام، إلا أن بعض الناس يعتقدون فضائل إضافية له.
• الصيام في رجب يُعد من النوافل، مثل بقية الشهور غير المفروضة.
• لم يثبت في السنة نص محدد يجعله أفضل من صيام أي شهر آخر في التطوع.
• يُستحب الصيام فيه بنية التطوع لا باعتباره فرضًا أو عبادة خاصة بالرجب وحده.
• يمكن دمجه مع أيام أخرى كصيام الاثنين والخميس أو الأيام البيض.
رغم مكانة رجب وكونه من الأشهر الحرم، فإن تخصيصه بالصيام مع اعتقاد فضل خاص لم يرد عنه دليل صحيح يعتبر اجتهادًا شخصيًا، والأفضل الالتزام بالنوافل المعروفة والأيام المستحبة مع النية الخالصة لله، وعدم الانشغال بالخرافات أو البدع المنتشرة حول فضل هذا الشهر.
الأحاديث الواردة في فضل شهر رجب
إنتشرت بين الناس أحاديث كثيرة تتحدث عن فضل شهر رجب، وخصوصًا فضل الصيام فيه أو تخصيص أيام معينة منه بالعبادة، إلا أن التحقيق العلمي في علم الحديث يُظهر أن كثيرًا من هذه الروايات لا تثبت عن النبي ﷺ.
أشهر الأحاديث المتداولة في شهر رجب
«رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي»
«إن لله في الجنة نهرًا يقال له رجب، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر»
وهذه الأحاديث – على شهرتها – لا تصح عن رسول الله ﷺ، وقد حكم عليها أهل العلم بالضعف الشديد أو الوضع، أي أنها منسوبة إلى النبي ﷺ بغير حق.
موقف علماء السنة من فضائل رجب
نظرًا لكثرة الأحاديث الضعيفة المنتشرة حول فضل شهر رجب، تصدى كبار علماء الحديث لهذه المسألة، ومن أبرزهم الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، الذي ألّف كتابًا مهمًا بعنوان:
«تبيين العجب بما ورد في فضل رجب»
وقد خلص فيه بعد استقراء واسع ودقيق إلى نتيجة علمية واضحة، وهي:
لم يرد حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ في فضل شهر رجب بذاته، ولا في فضل الصيام فيه خاصة، ولا في تخصيص ليلة منه بقيام، ولا يوم منه بصيام.
وهذا الكلام لا يعني التقليل من شأن شهر رجب، وإنما ضبط العبادة بالمنهج الصحيح، والتمييز بين ما ثبت بالدليل، وما اشتهر بين الناس دون سند صحيح.
