جامع القرويين .. أقدم جامعات العالم

جامع القرويين

جامع القرويين … أقدم جامعات العالم

جامع القرويين مجسد بديع داخل فاس العتيقة ،يأخذك عبقه التاريخي إلى الأندلس وإلى دمشق وإلى الحضارة الإسلامية بتعاقب أحداثها وحكامها، وبجانب نافورته الرخامية صوت الماضي يتسرب إلى الذاكرة، فيجعلك تهيم بحضارة  فاس القديمة، وتعشق مساجدها وأولهم تحفته النادرة “مسجد القرويين” هذا المسجد كان ولا زال حاضرا خلال اثنا عشر قرنا، وتعدت مهامه خلافا للمساجد الأخرى ،فكان جامع للتقرب من الخالق،وجامعة تعلم مبادئ الدين والحياة وتغير في الحركة العلمية لمدينة فاس وللمغرب كافة.

متى تأسست فاطمة الفهرية جامع القرويين؟

بني جامع القرويين عام 425 هـ  على يد فاطمة الفهرية  القرشية التي قدمت من إفريقية ونزلت بعدوة القرويين بمدينة فاس، وكانت تكنى بأم البنين،وتوفى زوجها وأختها ،فورثت عنهم إرثا  كثيرا فوهبته لبناء الجامع وسمي بالقرويين نسبة إلى القيراوان،  وتمت توسعة الجامع و بناء الصومعة به في عهد المرابطين، و ببناء ثلات بلاطات إضافية  وعشرين قوسا ،وبناء بلاط رئيسي مزخرف بآيات قرآنية  وفي هذا البلاط أضيفت  خمس قباب  وإضافة ثلات أبواب أيضا  له وتمت توسعته في عشر سنوات  في عهد الموحدين.
كان بفاس آنذاك سبع مائة وخمسة وثمانون مسجدا أبرزهم مسجد الشرفاء التي كانت تقام فيه خطبة الجمعة، ثم ضاق بأهل فاس بعد  ذالك ،وأصبحت  خطبة الجمعة تقام  بالقرويين بعد توسعته.

بناء جامع القرويين :

صامت فاطمة الفهرية  المرأة الصالحة منذ شروع البناء في المسجد حتى الإنتهاء منه وصلت فيه شكرا لله تعالى على إعانتها أن قامت بهذا العمل الصالح، وأما هيكلة المسجد في القرن الخامس عشر فهي تختلف عما بني عليه لتجديده على مدى عشرة قرون , وكان حينها  اربع بلاطات وصحن صغير ومحرابه كام في مكان الثريا الكبرى الآن، وذكر في ذالك المؤرخ بن ابي زرع في كتابه عن وصف القرويين منذ بنائه :
” فاشترت موضع القرويين ممن كان حازه ودفعت اليه ،ثم شرعت في حفر أساسه وبنائه وذلك يوم السبت مهل  رمضان سنة خمس وأربعين وسنتين فبنته  بالدينة والعدان وحفرت في وسطه فصنعت كهوفا واقتطعت المكان واترجت منها التراب والحجر والرمل الاصفر الطيب فبنت به جامع القرويين،  ولم تدخل فيه أشياء من تراب غيرها وحفرت البئر التي في الصحن فكان البنون يسعون منها لبناء الجامع المكرم ،حتى فرغ من بنائه “(1).

توسعة جامع القرويين في عهد الأمويين:

عرف جامع القرويين توسيعا على ما كان عليه في العهد الأموي، في عهد ابي مروان عبد الملك بن ابي عامر في 386,  فأحدث فيه بابا في شمال الجامع وهو المسمى “باب الحفاة” وأضاف جهة خاصة للوضوء وسقاية سبيل بالخارج , وأتى بالماء لها من وادي خارج باب الحديد ،  ووضع منبرا غير الذي كان بالمسجد ، من عود الأبنوس والعناب ،ووضع ثريا كبيرة كانت تسرج في المساء بالنار، وهذه الثريا استبدلت في عهد الموحدين ، وشيد قبة فيه .

توسعة جامع القرويين في عهد المرابطين:

بدأت توسعت جامع القرويين قي 529هـ ودامت لعشر سنوات ،تحت إشراف القاضي عبد الملك بن بيضاء القيسي، في عهد الأمير  يوسف ابن تاشفين ،وبدات التوسعة بشراء البيوت التي كانت تلتف بالجامع وكانت أغلبها لليهود ، ودفعت إليهم اموالهم بزيادة، وهدمت البيوت ، وتمت توسعة المسجد ليصبح اكبر : “شملت الزيادات المرابطية البلاط المحوري المتعامد مع المحراب حيث تم بناء بلاط رئيسي،حيث تم بناء بلاط رئيسي مزخرف بآيات قرآنية وكتابات بالخط الكوفي وبأعلى هذا البلاط تم بناء خمس قباب بديعة  تجسد فن المعمار المغربي”(2)

وتم فرش الصحن بنوع من الآجر ليضفي  معمارا مغربيا فاسيا وكانت العناية بالصحن  تبرعا من أبا عبد الله محمد بن صخر  متبرعا بماله للمسجد،
وإضافة إلى البلاط أضيفت ثلات أبواب للمسجد  وهما : باب الشماعيين وباب الجنائز وباب العدول.
وأما المنبر الجديد الذي صنع للمسجد فهو بأيادي مغربية الصنع  وصنعه الشيخ الأديب ابو يحيى العتاد،  وهو من أبرز الإسهامات المرابطية في جامع القرويين  وكان بديلا للمنبر الفاطمي الذي عوض المنبر الأموي ، وبذالك نذكر ان الإضافة للمسجد كانت مع تعاقب الحكام في المغرب وممن قاموا بالإضافة له ايضا الزناتيون ،وبذالك تكون التوسعة بالمسجد بعهد المرابطيين أضفت على القرويين جمالية خاصة وأصالة فاسية منقطعة النظير .

قصيدة عبد الله المغيلي في جامع القرويين:

ويذكر أبي عبد الله المغيلي في قصيدة مشهورة له  القرويين ،لأنه كان من أبرز التحف النادرة في فاس ومن اجمل الروضات البهية :
يا فاس حيا الله أرضك من ثرى
وسقاك من صوب الغمام المسيل
يا جنة الدنيا التي أربت على
حمص بمنظرها البهي الأجمل
غرف على غرف ويجري تحتها
ماء ألذ من الرحيق السلسل
وبساتن من سندس قد زخرفت
بجداول كالأيم أو كالفيصل
بجامع القرويين شرف ذكره
انس تذکر بهیچ تململ
وبصحنه زمان المصيف محاسن
جمع العشى القرب فيه استقبل
اجلس ازاء الخصة الحسنى
وأكرع بها عينى فديتك وانهل

أبواب جامع القرويين:

بعد أن تمت توسعة الجامع أصبح يحتوي على سبعة عشر بابا:
باب الموثقين: وهو أيضا مفتوح على دكاكين الموثقين
باب الشماعين: وهو من الابوا التي تم إضافتها بعهد المرابطين وعلى يد يوسف ابن تاشفين
باب الوراقين: وهو يعود إلى وجوده عبر سوق الكتب بالمدينة.
باب النطاعين: وهو باب يفتح على سوق الجلد ففاس عرفت بصناعة الجلد ودبغه.
باب الخلفاء : يدخل منه الملوك والخلفاء
باب مجلس القضاء: وهو باب الجنائز يفضي بالجهة الخاصة بالجنائز وهو من تشييد التوسعة المرابطية.
باب الفرخة
باب الحدودي: وهذا الباب يربط الخزانة بالجامع
باب الخلوة
باب الصالحين: وهذا سمي لكثرة الأولياء الذين يدخلون منه.
باب ابن حيون: وهذا الباب سمي على الاندلسي عبد المالك بن حيون.
باب ابن عمر: وهو باب انشئ في عهد الموحدين
باب الساباط: وهو باب خصص للنساء
باب الخصة: انشئ  في الدولة الزناتية
باي الصفر الشمالي
باب الحفاة.

جامع القرويين أول جامعة في العالم:

بفضل توسعة المسجد أصبح  جامع القرويين متعدد المرافق فتحول من جامع إلى جامعة ، يطلب فيها العلم وتكثر فيها الحلقات بما يسمى بالكراسي العلمية، في متعدد أنواع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والطب والفلك وهي أول جامعة منحت شهادة الطب ، ولا زال التدريس بها قائما إلى وقتنا هذا  ويتخرج منها كل سنة طلاب التعليم  العتيق ، ولا تقتصر الجامعة على الطلبة المغاربة ولكن شملت تدريس الطلاب من الشرق والغرب ومن إفريقيا .

أبرز من درس بجامع القرويين :

جامع القرويين هو الجامع الذي درس فيه العلماء والأطباء والفلكيين ومن جميع البلدان ، وكان مقصدا لأهل الأندلس وإفريقيا بشكل خاص، ونذكر من أبرز الشخصيات الذين درسوا في القرويين :

الحسن الوزاني الذي جاء من الأندلس في سقوط غرناطة قاصدا فاس بعمر صغير، ودرس فيها وهو الذي ذكرها في ليون الإفريقي في رحلته الطويلة.
ابن آجروم وهو محمد بن داود الصنهاجي المعروف بالمقدمة الأجرومية في النحو ودرس في القرويين .
ابن البناء المراكشي وهو عالم رياضيات وطبيب جاء من مراكش ودرس في جامع القرويين.
ودرس فيها الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب، وابن خلدون،وابن العربي،و  أبو العباس السبتي،وابن رشد.

                                            الكاتبة:مارية الزروالي

المصادر
1ـ الأنيس المطرب بروض القرطاس في اخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، الفقيه المؤرخ بن أبي زرع ،ص30

2ـ تاريخ مدينة فاس من التأسيس إلى أواخر القرن العشرين الثوابت والمتغيرات ,د محمد المزين،ص 80

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد