الدكتور فريد الأنصاري: سيرة عالم مغربي جمع بين العلم والدعوة والأدب
يُعدّ الدكتور فريد الأنصاري واحدًا من أبرز علماء المغرب في العصر الحديث، جمع بين عمق التكوين العلمي، ورهافة الحس الأدبي، وحضور الدعوة الميدانية، فكان نموذجًا للعالم المربي، والمفكر المجدد، والأديب المبدع. لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان صاحب رسالة إصلاحية شاملة، استمدّها من القرآن الكريم، وربطها بواقع الأمة وتحدياتها الفكرية والتربوية.
ولد فريد الأنصاري بإقليم الراشيدية سنة 1380هـ / 1960م، ونشأ في بيئة مغربية أصيلة، ثم انتقل في مسيرته العلمية والدعوية إلى مدينة مكناس التي أصبحت موطن عطائه العلمي والروحي، توفي رحمه الله يوم 17 ذو القعدة 1430هـ الموافق لـ 5 نوفمبر 2009م بمدينة إسطنبول بتركيا بعد صراع طويل مع المرض، ونُقل جثمانه إلى المغرب حيث ووري الثرى بمقبرة الزيتون بمدينة مكناس.
أولًا: نشأته وتكوينه العلمي
منذ سنوات شبابه الأولى، أظهر الدكتورفريد الأنصاري ميولًا واضحة نحو العلوم الشرعية والفكر الإسلامي، فاختار أن يسلك طريق العلم الأكاديمي المنهجي، فحصل على:
• الإجازة في الدراسات الإسلامية من جامعة محمد بن عبد الله بفاس.
• دبلوم الدراسات الجامعية العليا (الماجستير) في الدراسات الإسلامية، تخصص أصول الفقه، من جامعة محمد الخامس بالرباط.
• دكتوراه السلك الثالث في الدراسات الإسلامية، تخصص أصول الفقه، من جامعة محمد الخامس بالرباط.
• دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية، تخصص أصول الفقه، من جامعة الحسن الثاني بالمحمدية.
وقد شكّل تخصصه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة أساس مشروعه الفكري، حيث سعى إلى ربط النص الشرعي بمقاصده الكبرى، وربط العلم بالعمل، والمعرفة بالتزكية.
ثانيًا: مسيرته العِلمية والعمَلية
شغل الدكتور فريد الأنصاري عدة مناصب علمية وتربوية، من أبرزها:
• أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس.
• رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بمكناس لعدة سنوات.
• رئيس وحدة الدراسات العليا: الاجتهاد المقاصدي: التاريخ والمنهج.
• عضو المجلس العلمي الأعلى بالمغرب.
• رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة مكناس.
أستاذ زائر بدار الحديث الحسنية بالرباط.
• أستاذ بمركز تكوين الأئمة والمرشدات التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
• خطيب جمعة وواعظ بعدد من مساجد مدينة مكناس.
• أستاذ كرسي التفسير بالجامع العتيق بمكناس.
وقد امتاز في تدريسه بأسلوب تربوي يجمع بين العلم والتزكية، مما جعل دروسه تلقى إقبالًا واسعًا من الطلبة والعامة.
ثالثًا: مشروعه الإصلاحي والفكري
لم يكن فريد الأنصاري عالمًا تقليديًا يكتفي بالتدريس، بل كان صاحب رؤية إصلاحية متكاملة، تقوم على:
1 إعادة الاعتبار للقرآن الكريم كمصدر للتزكية والتغيير.
2 تصحيح مسار العمل الإسلامي بالعودة إلى التربية الإيمانية.
3 نقد التضخم السياسي داخل بعض الحركات الإسلامية.
4 الدعوة إلى التوازن بين العقل والنقل، وبين الفقه والسلوك.
ومن أشهر أفكاره: أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القلب قبل التنظيم، ومن تزكية النفس قبل تزكية المجتمع.
رابعًا: مؤلفاته العلمية والفكرية
خلّف الدكتور فريد الأنصاري تراثًا علميًا متنوعًا، من أبرز كتبه:
• التوحيد والوساطة في التربية الدعوية.
• أبجديات البحث في العلوم الشرعية.
• قناديل الصلاة – مشاهدات في منازل الجمال.
• الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب.
• المصطلح الأصولي عند الشاطبي (أطروحة الدكتوراه).
• جمالية الدين.
• بلاغ الرسالة القرآنية.
• سيماء المرأة في الإسلام (تُرجم إلى الفرنسية).
• مجالس القرآن من التلقي إلى التزكية.
• مفهوم العالِمية من الكتاب إلى الربانية.
• الفطرية – بعثة التجديد المقبلة من الحركة الإسلامية.
تفسير سور من القرآن الكريم (البقرة، آل عمران، ق، الذاريات، الطور، النجم).
وقد تميّزت مؤلفاته بجمعها بين التحقيق العلمي والأسلوب الأدبي المؤثر.
خامسًا: إنتاجه الأدبي
كان فريد الأنصاري عضوًا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وكتب الشعر والرواية، ومن أشهر أعماله الأدبية:
1 ديوان القصائد.
2 جداول الروح.
3 الوعد.
4 كشف المحجوب (رواية).
5 آخر الفرسان (رواية).
6 عودة الفرسان.
7 ديوان الإشارات.
8 ديوان المقامات.
9 ديوان المواجيد.
10 من يحب فرنسا؟ (شعر مشترك).
وقد حملت كتاباته الأدبية روحًا إيمانية عميقة، وهدفت إلى إحياء الضمير الإنساني وربطه بالمعاني القرآنية.
سادسًا: دروسه الصوتية والمرئية
ترك الشيخ مئات الدروس المسجلة صوتيًا ومرئيًا، من أشهرها:
• سلسلة منازل الإيمان.
• مشروع بصائر القرآن الكريم (لم يكتمل).
• دروس في التفسير والتربية والدعوة.
وكان لهذه الدروس أثر بالغ في التربية والتزكية داخل مساجد مكناس وخارجها.
سابعًا: الكتب المؤلفة عنه
من أبرز المؤلفات التي تناولت فكره وسيرته:
• فقه التاريخ عند الدكتور فريد الأنصاري.
• فقه الدعوة عند الدكتور فريد الأنصاري.
• فقه الإصلاح: قراءة في التجربة الإصلاحية.
• جهود فريد الأنصاري في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر.
• معالم الرؤية الإصلاحية.
• الإبداع الروائي عند فريد الأنصاري.
• أسفار الروح: سيرة فريد الأنصاري.
ثامنًا: جنازته ومشهد الوداع
توفي رحمه الله بإسطنبول، ونُقل جثمانه إلى مدينة مكناس، حيث شيّعه آلاف المشيعين يوم الأحد 8 نونبر 2009م بعد صلاة الظهر من مسجد الأزهر المعروف بجامع الأرْوى. امتلأت الساحات والطرقات بالمصلين، في مشهد مهيب يعكس مكانته في قلوب الناس، ودُفن بمقبرة الزيتون.
الدكتور فريد الأنصاري نموذجًا للعالم المجتهد العامل، والمفكر المصلح، والأديب الملتزم، فجمع بين العلم والدعوة والأدب، وترك بصمة واضحة في الفكر الإسلامي المعاصر بالمغرب وخارجه، ولا تزال كتبه ومحاضراته شاهدة على مشروعه الإصلاحي القائم على القرآن والتزكية والوعي الحضاري.
