ابن بطوطة الرحالة المؤرخ المغربي

ابن بطوطة الرحالة والمؤرخ المغربي

في رحلة ابن بطوطة الممتدة أرخ أول كتاب في أدب الرحلة وهو تحفة الأنظار ،شاهدا على كل ما مر به ،فجعل الكتاب مخلدا للحضارات العربية التي فتن بها في مصر والشام وبغداد والهند والصين، في زمن لم تكن به همة للترحال والسفر وإنما كان الغالب يسافر لأجل طلب العلم أو لتأدية فريضة الحج، وقد انطلق ابن بطوطة واصفاً في كل باب من كتابه عجائب ما رأى من معالم بنية المدن وهيكلتها وعادات أهلها وأوصافها فكان مرجعاً عربيا وأول رحالة مسلم يجول في الجزيرة العربية ، ويتنقل عبر إفريقيا ، ويدون في الهند و يكتب عن حضارة الصين وتقاليدها.

نسب ابن بطوطة:

هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يوسف اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة. وُلد في مدينة طنجة، شمالي المغرب، في يوم الإثنين السابع عشر من رجب الفرد سنة 703 هـ (1304م) في أسرة تنتمي إلى قبيلة لواتة.
عُرفت أسرته اجتماعيا باهتمامها بالعلم، فقد  كان والده من العلماء المتخصصين في الفقه، وكان قد جهزه لتولي منصب القضاء، وهو ما كان متداولا في العائلات التي تتمتع بمكانة مرموقة اجتماعياً.

نشأة ابن بطوطة وتعليمه:

درس ابن بطوطة في المغرب وتتلمذ فيه ، وكانت أسرته تتوقع أن يكون قاضيا، لكن ابن بطوطة اختار طريقا متفردا عن باقي العائلة وآثر أن يشد الرحالة إلى مكة ليحج أولاً ،ففي سن الـ 21 قرر الرحيل عن طنجة متوجهًا إلى مكة المكرمة،ولم يكن قصدها في البداية الترحال وإنما قصده أن يؤدي فريضة الحج.
و تلك الرحلة كانت مهد ولادة الرحالة،و انطلاق ابن بطوطة وبداية لمغامرة استمرت 28 عامًا، طاف خلالها معظم أنحاء العالم الإسلامي والعديد من المناطق البعيدة عن وطنه، زار بلاد مصر والشام والحجاز والعراق وفارس واليمن والبحرين وتركستان والهند وما وراء النهر، إضافة إلى بعض مناطق الصين والجاوة وبلاد التتار وأواسط إفريقيا، ودون كل رحلته في كتاب باسم” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

رحلات ابن بطوطة:

كانت بداية رحلة ابن بطوطة مليئة بالمخاطر عبر شمال إفريقيا، وقد عبر الصحراء القاسية وواجه قطاع الطرق،
زار مدنًا مثل تلمسان، بجاية، تونس، وطرابلس قبل أن يصل إلى مصر.
وقد اندهش من عظمة القاهرة ومعمارها وأهراماتها وزار مساجد سلطنة المماليك وأسواقها المزدحمة.
وعندها حج في مكة، قرر ابن بطوطة التوجه إلى بلاط سلطان دلهي، محمد بن تغلق، بعد أن سمع عن كرمه تجاه العلماء، وقد اكتسب على يد بعض العلماء في الحجاز علما أضاف له الكثير ، فسلك طريقًا غير عبر مصر وسوريا، ثم عبر الأناضول والبحر الأسود إلى القرم والقسطنطينية. بعدها، استمر في رحلته حتى عبر خراسان وأفغانستان إلى الهند، وعين قاضيًا في بلاط السلطان محمد بن تغلق، رغم تمتع ابن بطوطة بمنصب مرموق، عايش العديد من المخاطر بسبب قسوة السلطان.

ابن بطوطة في الصين وعودته إلى طنجة :

وصل ابن بطوطة إلى الصين، ووصف معمقا حضارة  الصين والبلاط الإمبراطوري وقد نالت تقاليد الصين وعاداتها إعجابه.
قرر ابن بطوطة من الصين  إلى وطنه عام 1346.
وخلال رحلة العودة مر ببغداد ثم  سوريا، وشهد زمن الطاعون  في سوريا وزار عدة مدن في مصر قبل أداء فريضة الحج.
وعبر من الإسكندرية إلى تونس، ثم إلى فاس ثم طنجة مسقط رأسه.
زار الأندلس بعد عودته للمغرب وانطلق في رحلة إلى غرب إفريقيا،  عبر مالي ودول أخرى ثم عاد ابن بطوطة إلى المغرب ،فدون رحلة أسفاره وجمعها في كتاب،وكان أول رحالة عربي قام بمسار طويل يشمل آسيا وإفريقيا والجزيرة العربية.

زواج ابن بطوطة في رحلاته:

كانت علاقة ابن بطوطة بالمرأة مهمة في مسار رحلاته، حيث كانت المرأة متواجدة في حياته منذ بداية سفره ، وذالك كان عند كل رحلة فالمرأة كانت أنيسة في الاغتراب.
بعد مغادرة ابن بطوطة لمدينة طنجة لم يكن متزوجا  فقد شعر بحاجة إلى أنيس، وبعد أشهر من مغادرته، تزوج في صفاقس من ابنة أحد أمناء تونس، ثم انتقل بها إلى طرابلس الغرب.
لكن هذه الزيجة لم تدم طويلاً بسبب مشاجرة مع صهره فطلقها و تزوج للمرة الثانية من فتاة من طلبة فاس المرافقين له في الرحلة.
على الرغم من ذلك، لم يذكر ابن بطوطة حياته الخاصة في بداية رحلاته أو تفاصيل علاقته بالمرأة بشكل عام، لكن عندما دخل بلاد الترك، تأثر بجمال النساء هناك، فدخلت المرأة مرة أخرى في حياته ولكن من خلال الجواري والحريم، مثل الجركس والتركمان.

وذكر ابن بطوطة في رحلته أنه كان يرافقه جارية على وشك الولادة عندما غادر بخارى، وعندما كانت ستلد في الطريق، توفيت فحزن عليها حزنا شديدا وكان ذالك عند وصوله إلى الهند.
واصل ابن بطوطة رحلاته وحياته الخاصة  مع نساء في صفة جواري أثناء إقامته في الهند لمدة عامين، حيث تلقى من وزير سلطان دهلي عشر جوار من سبي الكفار. وفي مرحلة لاحقة من رحلاته، تزوج في جزر ذيبة المهل في جنوب آسيا أثناء طريقه إلى الصين، هناك كانت الزيجات سهلة لمن يرغب في الزواج من الأجانب وقبل رحيلهم يتم الطلاق  لأن النساء لا يخرجن من بلادهن.
رغم ذلك، فقد أمضى فترة طويلة في هذه الجزر وتولى القضاء فيها، وعندما قرر الرحيل، طلق اثنتين من زوجاته الأربع، بينما كانت الثالثة حاملاً منه، وأعطاها أجلاً تسعة أشهر في حال عودته، أما إحداهن فقد أصرت على السفر معه رغم تقاليد القبيلة التي تمنع خروج النساء من البلاد. لكن في الطريق مرضت، فطلبت العودة فطلقها، وعادت إلى أهلها.
وفي ما يخص السلطان الملك الظاهر، فقد عاد من غزوة مصطحبًا سبيًا كبيرًا، وأرسل إلى ابن بطوطة جاريتين من السبي، لكنه لم يذكرهما في مذكراته حتى عودته إلى بلاده بعد رحلته الطويلة.

كتاب ابن بطوطة تحفة النظار:

ألف ابن بطوطة كتابا باسم تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، وذالك بعد أن أشار إليه السلطان المغربي المريني بذالك ، ليدون مسار رحلته بأكملها، وقد كتب الكتاب عبد الله بن جزي ، ودون فيه كل ما رواه له بن بطوطة من أحداث وعاجائب ، وقد رآى فيها البعض غلوا في الأحداث وزيادة، ولكنها كانت خلاصة أحداثه وتجارب رحلته فقدمها بعد ربع قرن من السفر في القارات الثلاث.

وفاة ابن بطوطة:

استمر ابن بطوطة في منصب القضاء حين عاد من رحلته ، حتى عام 770هـ  حيث وافته المنية عن عمر يناهز ستة وسبعون عاما، في مدينة فاس
وقد عرف  ابن بطوطة بخلقه وإحسانه، فقد جمع بين حب السفر وحب الاكتشاف، وبين خُلق الأخلاق العالية التي جعلته محبوبًا بين الناس، وهكذا انتهت رحلة أعظم رحّالة في التاريخ الإسلامي ، تاركًا خلفه كتابا مهمها و خالدًا في المكتبة العربية جامعا للحكايات والتجارب التي وثقت تاريخ شعوب كثيرة وثقافات مختلفة .

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد