ليلة القدر .. ونزول القرآن الكريم
لحظات الزمان في دورة الفلك، كالرجال في سلسلة الإنسانية الأصل فيهما التساوي، ما لم يحظ الزمان بحادث يخلده والرجل بعمل جليل يظهر
على يده فيرفعه عن مستوى أقرانه إلى مصاف العباقرة الخالدين، أو الزعماء
والمصلحين ممن بقى ذكرهم على الأيام، لا يزيده مر الدهور إلا شرفاً وفخراً، ولقد جرت سنة الله في خلقه أن الناس يعرفون للأيام التي تمخضت
لهم عن حادث جليل، غير من جرى تاريخهم فأعزهم من بعد ذل، أو رفعهم من بعد خفض، أو جمع كلمتهم بعد إنحلال.
وإذا كان التقدير للأيام والرجال بمقدار ما حملت الأيام من حدث وما قدمت الرجال من أعمال فأي تقديس وذكرى وتخليد لليلة القدر وقد حملت في تضاعيفها إنزال القرآن الكريم وإرسال محمد رحمة للعالمين،
فاقترنت آية الافتتاح ﴿ أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) .
بـ ﴿ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ قُمْ فَأَنذِرْ ) (٢). فنالت الفضيلتين القرآن والرسالة.
القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن على جميع الكتب التي أنزلها الله من قبل على رسله ورسالة محمد هي الرسالة الخاتمة التي وحد الله بها جميع الرسالات السابقة، وكانت أفضل نعم الله في الأولين والآخرين .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} (۳).
فكانت ليلة القدر صلة بين السماء والأرض قامت الله فيها الحجة البالغة ببقاء القرآن الكريم الذي شرفت هذه الليلة بإنزال أول قطره من غيثه ليكون
لها ما بعدها من توالي إنزاله منجماً على حسب الحوادث إلى أن يتم بقوله: ﴿ اليوم أكملتُ لكم دينكم وَأَتممت عَليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (٤).
وحظيت بإرسال خاتم الرسل
سیدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي ليلة فاصلة فارقة بين الظلمات والنور. والحق والباطل. هي مبعث النور والعرفان، ومشرق الفلاح والهداية وفاتحة الخير
والسعادة. وهي ليلة الدين الذي ارتضاه الله لعباده ورباهم عليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَام} (٥). بما تنفست عنه من إنزال
القرآن وإرسال محمد عليه الصلاة والسلام ذلك الفضل العظيم الذي هو
أفضل نعم الله في هذا الوجود، فحادث ليلة القدر أعظم حادث في تاريخ
الوجود كله، ومن ثمة رفع الله شأنها وجعلها خيراً من ألف شهر تنزل
الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر (٦).
وقد أمر المصطفى بإحيائها بالذكر والطاعة وتلاوة القرآن
ومدارسته شكراً لله تعالى على نعمته، ووعد من يقيمها بغفران ذنوبه، بل إن
شهر رمضان إنما فضل على سائر الشهور لأنه ضم في نظم أيامه هذه الليلة
المباركة الجديرة بالتقديس والابتهاج وأخلد الذكريات، وقد جعل الله من
أخص خصائصها هذا الشهر الذي هو موسم الطاعات والتقرب إليه بأنواع البر.
_________________
المراجع:
(1) سورة العلق ، الآية: ١.
(۲) سورة المدثر ، الآيتان: ۰۲۱
(۳) سورة الأنبياء ، الآية: ۱۰۷
(٤) سورة المائدة الآية٣.
(٥) سورة ال عمران،الآية١٩.
(٦)سيد حسن الشقرا ليلة القدر، مقال منشور بمجلة الإسلام، العدد٣٨،سنة١٣٥٥ه/١٩٣٦م،ص١١.
