لماذا سمي شهر رمضان بشهر القرآن؟
شهر رمضان هو خير الشهور، وهو الشهر الذي إختص بالرحمة والبركة، وفيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران، وسمي رمضان بشهر القرآن لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على فترات، قال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وَنزلناهُ تنزيلا} [الإسراء: 106].
وكان نزوله ليلة القدر هدى وبشرى للمؤمنين، وفي رمضان كان جبريل عليه السلام ينزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيتدارس معه القرآن في كل سنة مرة، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه الْقرآنُ هُدًى للناس وبينات من الْهدى والفرقانِ} [البقرة: 185]. فرمضان له ارتباط بالقرآن، وبكتاب الله تخشع القلوب في رمضان وترتبط بخالقها، وهو موسم الخير والقرآن، ومن مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن دلالة على استحباب قراءة القرآن والإكثار منه في ليالي رمضان، وذلك بتدبره والتأمل فيه.
ليلة القدر ونزول القرآن:
ليلة القدر هي الليلة التي ابتدئ فيها نزول القرآن، وسميت ليلة القدر بمعنى ليلة التقدير، وهي ليلة مباركة عظيمة لا يسهل الإحاطة بعلمها وقدرها، ارتبط فيها القرآن بشهر رمضان المبارك، وهي أفضل لياليه، وقد وصفها الله تعالى بأنها خير من ألف شهر، فهي آمنة خلاف كل ليالي السنة، قال الله تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر: 5].
وقد فضلت هذه الليلة بنزول القرآن فيها، واختصت به دون غيرها، وشرعت ليتخذها المؤمن موسمًا للعبادة. قال تعالى: {إِنا أنزلناه في ليلة مباركة إِنا كنا مُنذرين} [الدخان: 3]. وهي ليلة القدر كما قال الله عز وجل، ليلة مباركة نزل فيها القرآن إلى السماء الدنيا، يقول الإمام ابن كثير الدمشقي في تفسيره: “كنا منذرين: أي معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا لتقوم حجة الله على عباده.”(1)
ويقول الله تعالى بعدها: {فِيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] أي فيها تقضى الآجال والأرزاق للسنة القادمة. وفي رمضان يتغير الحال وتتبدل الأحوال بالدعاء، وفي ليلة القدر على وجه الخصوص تقدر الأمور بيد الله وتتغير الأقدار، ويلتمسها المسلمون في العشر الأواخر من رمضان، ومن السلف من حدد أنها لها صفات تعرف بها، والأصح أن يتحراها المسلم طوال العشر الأواخر.
ختم القرآن في شهر رمضان:
في رمضان يعتكف أهل القرآن على حفظه وملازمته، وفيه يكثر المسلم من العمل الصالح، وخيره وأفضله طلب القرآن وختمه. فعن ابن عباس قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.”
والمراد بمعارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقي ويذهب ما نسخ تأكيدًا واستثباتًا وحفظًا، لذلك عرضه على جبريل مرتين وعارضه مرتين في أخر سنة مات فيها، ففهم عليه الصلاة والسلام قرب أجله.
وقد كان ارتباط الصحابة والسلف بالقرآن في رمضان أكثر من غيره وفي سائر الأيام، فعن ابن سيرين أن تميما الداري قرأ القرآن في ركعة، وعن سعيد بن جبير أنه قال: “قرأت القرآن في ركعة في البيت، يعني الكعبة.”
وقالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: “إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل كله بركعة فيجمع فيها القرآن.”
وقد ارتبط المسلمون بالقرآن في رمضان وسائر الشهور بكتاب الله لما ورد من الخير عن ختمه وحفظه وملازمته، وفيه خير الدنيا والآخرة. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه.”
فيستحب الإكثار من تلاوته في جميع الأوقات، والإكثار منه فجرا في رمضان وغيره. قال الله تعالى في تخصيص قراءة القرآن فجرا: {وقرآن الفطر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] أي أن ملائكة الليل والنهار تشهده.
أما وقت ختمه، فالأصل التخشع في كتاب الله وفهم معانيه لا الإسراع بالختم، وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، وكان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.
فضائل قراءة القرآن في شهر رمضان:
الصيام والقرآن شفيعان لصاحبهما، وخير ما يلتزم به المسلم في رمضان بعد صيامه أن يحرص على تلاوة القرآن والارتباط به ارتباطًا قلبيًا، وتدبره والتخشع عند تلاوته، والتأمل واستشعار كلام الله عز وجل. قال الله عز وجل: {كِتَابٌ أَنزلناه إِليك مبارك ليدبروا آياتهِ وليتذَكرَ أُولو الْأَلْباب} [ص: 29].
وقد كان السلف يلازمون القرآن في رمضان أكثر من غيره، وكان مالك ينصرف عن مجالس العلم في رمضان ويلازم كتاب الله، وكان الإمام الشافعي يختم ستين ختمة في رمضان.
فحلاوة القرآن في رمضان تقوي الإيمان وتدفع العبد ليرتبط بالله ويحسن علاقته بكتابه عز وجل، فقراءته من أعظم القربات. كذلك من فضائل القرآن أنه من أسباب الهداية والصلاح. قال الله عز وجل: {إِن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9]. وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً و قراءة منه، وفي بعض الفاظه فلما سمعته قرأ :{أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} خلت أن فؤادي قد انصدع وكان هذا سبب هدايته، فالقرآن هو هداية ورحمة، وقراءة القرآن بخشوع تؤثر في الكافر والمشرك وتكون سبب هداية.
ومن فضائل القرآن أيضا نزول الرحمة والسكينة على قلب العبد، والراحة والطمأنينة، فالقرآن من أسباب نزول السكينة والملائكة حول صاحب الصوت العذب الخاشع، كما ورد في قصة الصحابي أسيد رضي الله عنه، حين كان يقرأ القرآن وكان من أعذب الناس صوتا وأحسنه، فلما قرأ جالت فرسه فلما سكت سكنت، فلما عاد جالت، وإذا بشيء كهيئة الظلة،فسكت ولما أصبح ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ” تلك الملائكة دنوا لصوتك ، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم “.
أثر القرآن الكريم في رمضان:
القرآن الكريم هو مصدر راحة وسكينة في رمضان، وهو هدى لناس يدفعهم للقرب من الله عز وجل، والقرآن هو مكمل الصيام، ومعين عليه، فهو تغدية روحية وإيمانية لنفس المسلم، وبه يتحقق الإستقرار النفسي في رمضان، والأمن الروحي، ومن انقطع عن الخلق ولجأ إلى خالقه في ليالي رمضان، فالقرآن يكون معينت له على تقوى قلبه، والبعد عن الشهوات، وتحقيق الصيام الصحيح، والقرآن نور للقلب وشفيع لصاحبه يوم القيامة، وشهيد على العباد، وهو من أسباب المغفرة في الدنيا والآخرة
ختامًا، شهر رمضان هو موسم الطاعات والقربات، تتجدد فيه العلاقة بين المسلم وكتاب الله عز وجل، فهو شهر نزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والرحمة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف الصالح يضاعفون فيه تلاوة القرآن وتدبر آياته، والخشوع والتأمل في كتاب الله. وقد أدرك أهل القرآن وخاصته أثره في تهذيب النفس ولين القلب، وتقوية الإيمان والصلة بالله.
والقرآن يرفع صاحبه في شهر رمضان وفي غير رمضان، فحافظ القرآن يقال له: “اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها” وهو يرفع درجات صاحبه في الآخرة، والقرآن نور يضيء القلوب، ويهتدى به وينير الروح، ومن تمسك به فاز في الدنيا والآخرة.
المصدر:
ـــــــــــــــ
1- الإمام الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ص 310، دار الفكر بيروت.
