ابن زيدون.. شاعر الحب والسياسة
ابن زيدون شاعر الحب والسياسة، أو كما يُطلق عليه بحتري المغرب ،الوزير الشاعر الأديب الفارس ابو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي.
تعود جذوره إلى قبيلة بني مخزوم القرشية وقد رحل أجداده من الحجاز صوب الأندلس واستقروا فيها.
ولادة ونشأت ابن زيدون:
ولد ابن زيدون شاعر الحب والسياسة في ضاحيه من ضواحي قرطبة، يقال لها الرصافة، وورد لدى صاحب أعلام النبلاء شمس الدين الذهبي، أن ولادته كانت سنة 395هـ،1003م.
وقد نشأ ابن زيدون في بيت أندلسي ارستقراطي ثري، فقد كان والده قاضيا في قرطبة وعالما باللغة العربية والفقه، ومن رجال العلم والصلاح والفضيلة، إلا أنه توفي في سن مبكرة من حياة ابن زيدون، وذلك عند بلوغه إحدى عشرة سنة، فقام جده من جهة أمه مقام أبيه وأكمل مسيرة تعليمه وتهذيبه، حتى بلغ مبلغ الرجال.
مكانة ابن زيدون العلمية:
حفظ بن زيدون القرآن وتضلع في علوم الدين والفقه كما درس علوم اللغة العربيه وأسرارها، وكان شغوفا بالأدب والفلسفة، كما نهم من أشعار العرب وأخبارهم وأمثالهم الشيء الكثير.
لقب ابن زيدون ببحتري المغرب نسبة إلى الشاعر البحتري، وذلك لما تميز به شعره من الفصاحة والبلاغة والسهولة ورقة المعنى، وعذب الكلمات مما ينم عن موهبة شعرية فذة، تميز بها عن سائر شعراء عصره فكان أبلغهم شعرا، وأحكمهم بياناً.
كما كان لجمال الأندلس وسحر طبيعتها ونظرة خضرتها وإمتداد بساتينها وعذوبة مائها الأثر البالغ في أبيات شاعرنا، فلم يكتفي بوصفها كخلفية للأحداث التي عاشها، بل إستخدم عناصر الطبيعة كرموز لتعبير عن مشاعره وأحاسيسه، فجعل الأزهار رمزا للحب الطاهر ، والطيور رمزا للحرية والشوق، والماء الجاري رمزا لنقاء والصفاء، إلى جانب وصف الطبيعة، برع شاعرنا في وصف الاحاسيس الإنسانية من حب وألم وحنين وشوق وفراق وكل مايعتري النفس البشرية من أحاسيس.
ابن زيدون وقصته مع ولادة بنت المستكفي:
كان لقصة حبه مع ولادة، الأميرة الأندلسية الأموية ابنة الخليفة المستكفي الأثر الكبير في تجربته الشعرية، فقد كتب فيها قصائد الغزل والعتب والشوق والاستعطاف والفراق وقد كانت ولادة أيضا شاعره وأديبة عرفت بجمالها الأخاذ وشخصيتها الفريده،
وتعتبر أول إمرأة فتحت صالونا أدبيا تدعو إليه الرجال من علية القوم، من أدباء وشعراء ومفكري الأندلس، وذلك للمناظرات والملاحم الشعرية، فكان ابن زيدون من مرتادي صالونها الأدبي باستمرار حتى وقع في حبها ووقعت بدورها في حبه.
من أشهر قصائده في ولادة بنت المستكفي:
هَوايَ وَإِن تَناءَت عَنكَ داري
كَمِثلِ هَوايَ في حالِ الجِوارِ
مُقيمٌ لا تُغَيِّرُهُ عَوادٍ
تُباعِدُ بَينَ أَحيانِ المَزارِ
رَأَيتُكَ قُلتَ إِنَّ الوَصلَ بَدرٌ
مَتى خَلَتِ البُدورُ مِنَ السِرارِ
ثم يقول في قصيدة أخرى:
إِنّي ذَكَرتُكِ بِالزَّهْراءَ مُشتاقاً
وَالأُفقُ طَلقٌ وَمَرأى الأَرضِ قَد راقا
وَلِلنَسيمِ اِعتِلالٌ في أَصائِلِهِ
كَأَنَّهُ رَقَّ لي فَاعتَلَّ إِشفاقا
وله أيضا ما قال عنها في الجفاء:
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا
حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا
يقال في كتب التاريخ أن سبب خلافه مع ولادة وهجرها إياه أن جاريه لها غنت مقطعا من قصيدة فأعجب ابن زيدون بصوتها، وطلب منها أن تعيد الغناء فغضبت ولادة، وقد عبرت عن هذا في قصيدتها تقول:
لَو كنت تنصفُ في الهوى ما بيننا
لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ
وَتركتَ غصناً مثمراً بجماله
وجنحتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ
ولقد علمت بأنّني بدر السما
لَكن دهيت لشقوتي بالمشتري
فراق ابن زيدون عن ولادة بنت المستكفي
كان لفراق ولادة تأثير كبير على أسلوب ابن زيدون الشعري، فقد أصبح شعره يعكس تأملات عميقة في مشاعر الحزن والفقد، كما برع في وصف المشاعر المتناقضة بين الحب والألم، والتوق إلى اللقاء ومرارة الفراق، هذا ما جعله يُعدّ من أبرز شعراء الحب في الأدب العربي.
ومن هنا يمكن القول أن فراق ولادة شكّل لحظة مفصلية في حياة ابن زيدون، و تركت أثرًا بالغًا في
شعره وفي الأدب الأندلسي بشكل عام.
كما عرف بقصائده في مدح الملوك والأمراء خاصه ابو الحزم ابن جهور صاحب قرطبة بعد سجنه اياه وكذلك المعتضد وابنه المعتمد ملوك اشبيلية.
حياة بن زيدون السياسية:
لقب ابن زيدون بذي الوزارتين، فقد عاش حياة سياسية حافلة، فقد إنطلقت الفتنة الكبرى أو ما عرف بالفتنة البربرية عندما كان عمره 5 سنوات(399)هـ، وهو صراع سياسي ألقى بظلاله الثقيلة قرابة23 سنة على الأ ندلس، سقطت على إثره الدولة الأموية والعامرية وقسمت الأندلس في نهايته إلى دويلات متناحرة فيما بينها فيما عرف بعصر ملوك الطوائف.
كان ابن زيدون في المرحلة الأخيرة من الفتنة شابا نهل من العلوم الشيء الكثير مما بوأه مكانة مرموقة في بلاط أبي الحزم ابن جهور حاكم قرطبة، فنال ابن زيدون الوزارو عن جدارة واستحقاق، وكان سياسيا محنكا أسهم في بناء دولة بني جهور إلا انه لم يسلم من كيد الأعداء والحاسدين وذلك أولا لقرابته من البلاط وصداقته مع أبي الحزم بن جهور، ثانيا لعلاقته بولادة بنت المستكفي والتي كانت منية جميع سادة قرطبه، فاستغل أعدائه علاقته بها وكادوا له لدى ابن جوهر، خاصة الوزير ابن عبدوس، بحجه ان علاقته هذه ما هي الا خطة لإعادة الحكم للأمويين، خاصة بعد ظهور احد أمراء الدولة المنتهية بإشبيليا وهو هشام المؤيد، صدق ابن جهور هذه المزاعم، غير أنه لم يجد أي دليل على ضلوع ابن زيدون في تآمره ضده مع الأمويين، فما كان منه الا أن لفق له تهمة السطو على عقار لأحد مواليه، بعد وفاته على أثر هذه التهمة دخل السجن وحكم محاكمه قضت بسجنه سجنا مطلقا، وتذكر المصادر أنه اودع في أول الأمر سجن ذوي الهيئات والأعيان، ثم نقل إلى سجن اللصوص والجبات وذلك للتنكيل به والتقليل من قدره، ثم منع في مرحلة اخرى من زيارة أهله له، وفي سجنه هذا كتب ابن زيدون عدة قصائد لأبي الحزم ابن جهور يعاتبه ويستعطفه ويشكوه محنته، فباءت كل المحاولاته بالفشل فقرر الهرب من السجن والتجأ الى بلاط المعتضد باشبيليه فمنحه المعتضد الوزارة، لذلك سمي بذي الوزارتين حيث عاصر ابن زيدون المعترض وابنه المعتمد بن عباد وانشد فيهما الشعر الكثير.
وفاة ابن زيدون:
تذكر المصادر أن ابن زيدون توفي في رجب 63 بمدينة اشبيليه ودفن بها، وقال ابن شكوال أنه توفي سنة خمس وأربع مائة بالبيرة وأخذ الى قرطبة ودفن بها رحمه الله.
الكاتبة:شيماء الزروالي
