مجدد عصره .. الإمام أبو حامد الغزالي
الإمام البحر أبو حامد الغزالي الذي أبحر في كل العلوم ونهل منها، وخاض غمارها فعلم محاسنها ومفاسدها، وباطلها من صحيحها، فكان موسوعياً مجددًا في الفكر الإسلامي ومرجعًا لكل العلوم الفقهية والفلسفية وعلوم المنطق والحديث.
عُرف رحمة الله عليه بذكائه وذهائه فكان حُجة الإسلام، ولقب رحمه الله بمفتي الأمة والعالم الأوحد، وتفوق على شيوخه وأصبح من أنبل أعلام العرب.
ميلاد ونشأة الغزالي:
هو حُجة الإسلام زين الدين أبو حامد محمد بن أحمد الطوسي الشافعي الغزالي، ولد أبو حامد الغزالي في طوس بإقليم خراسان عام 450 هجرية، بقرية يقال لها غزالة، وينسب إليها بقولهم الغزالي.
كان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه، وقبل موته أوصى بولديه محمد وأحمد إلى صديق له صوفي صالح، فعلمهما الخط وفني ما خلف لهما أبوهما وعجز الرجل عن إطعامهم، فذهبا إلى مدرسة يطلبان فيها الفقه، وأصل الطلب كان طلب القوت، يقول الغزالي رحمه الله في ذلك: “طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله”.

شيوخ الإمام الغزالي:
درس الإمام الغزالي الفقه على يد الشيخ أحمد الراذكاني في طوس، ثم غادر إلى جرجان وطلب العلم على يد الشيخ الإسماعيلي.
بعدها رحل إلى نيسابور ولازم إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني رحمة الله عليه، فدرس عليه عِلم الكلام وأصول الفقه والمنطق وفقه الخلاف، وبرع في كل العلوم.
وعندما ألف الغزالي “المنخول” قال له الجويني: “دفنتني وأنا حي، فهلا صبرت الآن كتابك غطى على كتابي.”(1)
رحلات الإمام الغزالي لطلب العلم:
حفظ ببلده القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة والخط واللغة العربية والنحو والحساب، وشد رحاله إلى مدينة نيسابور حيث لازم إمام الحرمين الجويني وتعلم على يده، فبرع في الفقه في مدة وجيزة ومهر في الكلام والجدل.
وبرع في المناظرة وظهر تفوقه في العلم في مجلس الجويني رحمه الله، وهذا ما لم يعجب شيخه.
تولى تدريس نظامية بغداد وسنه يقارب الثلاثين، وأخذ يؤلف في الأصول والفقه والكلام، وقد عُرف وعظم قدره في بغداد وداع صيته، لكن شيئًا ما كان يعكر صفو وجوده في بغداد، ربما الزهد في الحياة، أو أن موضع الرئاسة كان يزرع في نفسه الكبر بالعلم. وقد جاهد نفسه ليرحل عن بغداد ويزهد في منصبه، يقول في ذالك : ” ثم لاحظتُ أحوالي، فإذا أنا منغمسٌ في العلائق، وقد أحدقت بي من كل الجوانب، ولاحظت أعمالي و أحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا مقبلٌ على علومٍ غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرتُ في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصةٍ لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلبُ الحياة وانتشارُ الصيت.. “(2)
فذهب إلى الحجاز وانصرف عن الدنيا مقبلًا على طريق الآخرة والتصوف معًا.
وقد حج الإمام الغزالي في عامه ثم زار بيت المقدس ودخل إلى دمشق، واستقر فيها، وأقام بالشام نحوًا من عشر سنين، صنف وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه في المنارة الغربية من الجامع الأموي حيث ألف أعظم كتبه وأعظمها أثرًا في الفكر الإسلامي “إحياء علوم الدين”، وهو أكبر كتبه في التصوف، كما ألف كتاب “الأربعين”، وكتاب “القسطاس”، وكتاب “محك النظر”. وقد نهل من مختلف العلوم فخاض في الفلسفة ورجع عنها ورد عليها، وخاض في علم الكلام وأتقن أصوله ورجع عنه بعد أن ظهر فساده. وفي رده على الفلسفة، لقِّب بحجة الإسلام وسلك مسلك الباطنية، فعاد عنها وأظهر عقائدهم الباطلة.
وسلك طريقة التصوف ومع ذلك فقد أقر بأن من خالف السلف وعقيدتهم فهو مبتدع في كتابه “إلجام العوام عن علم الكلام”. ولكن تأثير الفلسفة ظل عالقًا فيه، فقال أبو بكر بن العربي في ذلك: “شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع”. (3)
وقد زار مصر، وحين عزم على أن يمضي إلى يوسف ابن تشافين، سلطان مراكش، وصله نعيه. فعاد إلى طوس واتخذ في جوار بيته مدرسة للطلبة وخانقاه للصوفية ثم اعتكف للتدريس، وكانت خاتمته في طلب الحديث ومصاحبة أهله ومطالعة “الصحيحين”، ويقال إنه توفي وعلى صدره صحيح البخاري.
مؤلفات الإمام الغزالي:
حين عاد الإمام الغزالي إلى طوس ألف العديد من الكتب منها “المستصفى من علم الأصول” في أصول الفقه، وكتاب “المنخول”، وكتاب “اللباب”، وكتاب “المنتحل في الجدل”، وكتاب “تهافت الفلاسفة”، وكتاب “محك النظر”، وكتاب “معيار العلم”، وكتاب “شرح الأسماء الحسنى”، وكتاب “مشكاة الأنوار”، وكتاب “المنقذ من الضلال”، وكتاب “حقيقة القولين”، وكتاب “البسيط”، وكتاب “الوسيط”، وكتاب “الوجيز”، وكتاب “إلجام العوام”، وكتاب “كيمياء السعادة”، وكتاب “الغاية القصوى”.
وله نحو أربعمائة وسبعة وخمسون مصنفًا ما بين كتاب ورسالة، كثير منها لا يزال مخطوطًا، ومعظمها مفقود.
تلامذة الإمام الغزالي:
من أبرز طلبته أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن تومرت المصمودي الملقب بالمهدي، والذي تأثر بالإمام الغزالي في دعوته إلى التوحيد.
أبو بكر بن العربي المالكي، وهو الذي جاء بكتابه “إحياء علوم الدين” إلى المغرب العربي عنه عند عودته من رحلته في الشرق.
أبو منصور محمد بن إسماعيل بن الحسين العطاري، الواعظ في طوس، الذي تفقه في طوس على يد الإمام الغزالي.
كما تتلمذ على يد الغزالي عبد القادر الجيلاني، الذي تأثر به حتى أنه ألف كتابه “الغُنية لطالبي طريق الحق” على نمط كتاب “إحياء علوم الدين”.
إحياء علوم الدين الإمام الغزالي:
“إحياء علوم الدين” من بين أهم الكتب التي ألفها الإمام الغزالي 488 – 499 هـ. في مرحلة عزلته في دمشق ، فقد جمع فيه بين التصوف والعقيدة والأخلاق والتربية والنفس، وهو من أشهر كتبه، وترجم إلى عدة لغات، وهو جامع لتحصيل الغزالي. قسمه إلى أربعة أرباع، يضم كل منها عشر كتب :
ربع العبادات: علاقة العبد بربه وعلاقة الإنسان بالإنسان.
ربع العادات: الممارسات اليومية للإنسان، فيه من أسرار المعاملات بين الخلق.
ربع المنجيات: الصفات التي يتحلى بها القلب.
ربع المهلكات: الصفات التي يجب أن يتجلى فيها القلب.
وقد شملت هذه المجموعة أسرارًا وآدابًا وسبرت أغوار النفس البشرية، وهذبتها وعالجت مكامن النقص فيها، سامية بالخلق والسلوك الصحيح للنفس البشرية، سالكة طريق الصلاح والزهد والصبر.
وقد غلب على الإمام الغزالي فيه التوجه الصوفي، وغلا فيه، وهو الذي كان قد نهل من الفلسفة حتى رأى العلماء بوجه الذمامة في كتابه، ومن طرائق التصوف المنحرف عن السنة، وأيضًا فيه من الأحاديث الباطلة، مما جعل العلماء ينكرون عليه. وقد قال عنه الذهبي رحمه الله: “فرحم أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول”.
وفات الإمام الغزالي :
توفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى سنة خمس مئة عن عمر يناهز خمس وخمسين سنة، ودفن بمقبرة الطابران في طوس.
ـــــــــــــــــــــ الكاتبة: مارية الزروالي __________
المصادر
1 “سير أعلام النبلاء” الإمام شمس الدين الذهبي ، الجزء التاسع عشر ،ص 335. مؤسسة الرسالة بيروت
2 “سيرة الغزالي وأقوال المتقدمين فيه” د. أحمد فؤاد الأهواني. دار الفكر دمشق
3 سير أعلام النبلاء” الإمام شمس الدين الذهبي ،ص 327 الجزء التاسع عشر ،مؤسسة الرسالة بيروت
