حاتم الطائي.. أكرم  رجال العرب

حاتم الطائي.. أكرم  رجال العرب

حاتم الطائي أكرم رجال العرب، هو رجل جاد بما لديه وأنفق، عرف بسخائه ولم يبخل على كل من عبر طريقه، وكان كرمه من الخصال التي ورثها عن والدته، فخلدت أثره وأثر والدته على مر الزمن من الجاهلية حتى عصرنا الحديث، بأحسن الصفات وبمكارم الأخلاق  وبالقيم النبيلة، فإذا ذكر الطائي اقترن بالكرم، وكان لا يرد من طلبه أبدا، حتى قيل أنه لم يأت بعده رجل بما بلغ حاتم في صفاته وسلوكه، لا من شعراء الجاهلية ولا من غيرهم.

نسب حاتم الطائي:

حاتم الطائي أكرم رجال العرب هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، توفي ابوه وهو وليد فنشأته أمه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس، وكانت كثيرة المال معطاءة، فورث عنها حاتم الأخلاق الطيبة والكرم والجود، والمرء لا محالة تأثير والديه، فذاع صيته في قبائل العرب في الجاهلية، وهو من شعراء الطبقة الثانية، عرف بشعره وبكرمه وجوده ولم يدرك الإسلام.

أخلاق حاتم الطائي:

كان حاتم عظيم الخلق طويل الصمت رقيق القلب عالي المروءة، جميل الوجه، كريما معطاء سخيا فتناقلت أخباره وقصصه العرب، وكان يطعم الناس فصفة البخل أشد بعدا عن حاتم الطائي، وقد وصفته ابنته بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم حين كانت سبية: قالت كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف، ويفرج عن المكروب ويفشي السلام ويطعم الطعام ولم يرد طالب حاجة أبداً، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.

وكان حاتم الطائي حتى بعد موته حسن الذكر بما عرف عليه، فتركت ابنته إكراما له، وقد أسلم أولاده مع النبي صلى الله عليه وسلم وهما: عبد الله وسفانة وعدي، وقد أنجب من النوار ثم من ماوية بنت عفزر وهي إحدى بنات الملوك في اليمن.

أم حاتم الطائي وكرمها:

كانت أم حاتم الطائي كريمة تنفق ما تملك، وكانت ذات مال، فحجر عليها إخوتها وحبسوها سنة لعلها تتذوق طعم الفقر ، فتفهم فضل الغنى وتحتفظ بمالها، فلما أطلقوها ومنحوها من مالها، دخلت عليها إمرأة من هوازن مستجدية فأعطتها إياه وقالت: مسني من الجوع ما آليت معه ألا أمنع سائلاً شيئاً.

نشأة حاتم الطائي:
نشأ حاتم الطائي أكرم رجال العرب علي يد أم كريمة فورث منها حاتم خير الصفات، وكان غلاما عند جده يخرج طعامه، فإذا وجد من يؤاكله أكل وإلا طرحه.
فساء جده منه هذا التبذير فالحقه بالإبل، فمر به ذات يوم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني، وهم في طريقهم إلى النعمان فأستقروه، فنحر لكل منهم بعيراً وهو لا يعرفهم، فلما تسموا له فرق فيهم الإبل وكانت قرابة ثلاثمائة، فانشدوا عنه شعرا لكرمه، وجاء  جده مبتهجاً يقول له : طوقتك مجد الدهر طوق الحمامة، وحدثه بما صنع، فقال له : إذن لا أساكنك .
فقال : إذن لا أبالي ،فعرف على حاتم الكرم والجود حتى صار مضربا لذالك في المثل .

وقد كان إذا جن الليل يأمر غلامه فيوقد النار في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق فيأوي إلى منزله وينام عنده، وكان يقول:

أوْقِدْ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْلُ فَرُ
والرِّيحَ يَا مُوقِد ريح صر
عَسَى يَرَى نَارَكَ مَنْ يَمُرَّ
إِنْ جَلَيَتْ ضَيْفاً فَأَنْتَ حُرُ

حاتم الطائي وملك الروم:

قيل إن أحد قياصرة الروم بلغته أخبار حاتم الطائي فاستغربها.
وكان قد بلغه أن لحاتم فرساً من كرام الخيل عزيزة عنده فأرسل إليه بعض حجابه يطلب منه الفرس هدية إليه وهو يريد أن يمتحن كرمه بذلك.
فلما دخل الحاجب ديار طي سأل عن أبيات حاتم الطائي، حتى دخل عليه فاستقبله أحسن استقبال ورحب به، وهو لا يعلم أنه حاجب الملك، وكانت المواشي في المرعى فلم يجد إليها سبيلا، فنحر الفرس وأضرم النار.
ثم دخل إلى ضيفه يحادثه فأعلمه أنه رسول قيصر قد حضر يستمحيه الفرس فساء ذلك حاتماً وقال: هلا أعلمتني قبل الآن فإني قد نحرتها لك إذ لم أجد جزوراً غيرها، فعجب الرسول من سخاء حاتم  وقال : والله لقد رأينا منك أكثر مما سمعنا.

حاتم الطائي والملكة ماوية:

تزوج حاتم الطائي إحدى ملكات العرب من اليمن تدعى ماوية بنت عفزر ، وقد ذهب ليخطبها لنفسها فوجد عندها النابغة الذبياني و النبيتي كل يطلبها لنفسه، فأمرتهم بالرجوع لرحلهم وأن يمدح كل واحد منهم نفسه في شعره قائلة أنها ستتزوج أشجعهم وأكرمهم، فبعتهم بعد رحيلهم وقد غيرت ملابسها ولبست لباس الأمة، فاستطعمتهم وكان كل منهم قد ذبح جزورا، فلما طلبت الطعام من النبيتي استطعمها ذيل جزروره، ثم مرت على النابغة وكذالك فعل، ولما طلبت الطعام من حاتم الطائي أمرها بالانتظار حتى يجهز قدره، فأعطاها خير ما فيها وكذالك أعطى جارة له مثل ما أعطاها فانصرفت، وفي الغد بعتث إليهما فأنشداها عن أنفسهم فدعتهم إلى الغداء ، وقدمت لكل منهم ما قدم لها ليلة أمس غداء له، فخجل النابغة وصديقه مما قدماه، ومن مدحهم لأنفسهم كذبا وهم بخلاء، فقاسمهم الطائي ما كان قدمه لها فتزوجته، وفي شعره الذي أنشدها، قصيدة خالدة  يقول في مطلعها:

أَمَاوِي إِنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحُ
وَيَبْقَى مِنَ الْمَالِ الْأَحَادِيثُ وَالْذِّكْرُ
أَمَاوِي إما مانع فمبين
وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أَمَاوِي مَا يُغِنِي الثرَاءُ عَنِ الْفَتَى
إِذَا حَشرَجَتْ يوما وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

ويختمها بقوله :

وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ لَوْ أَنَّ حَاتِماً
أَرَادَ ثراء الْمَالِ كَانَ لَهُ وَفْرُ

وكان لحاتم الطائي ابن عم  إسمه مالك، قال لماوية امرأة حاتم  بعد ما أنجبت منه، ما تصنعين بحاتم الطائي فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه وإن لم يجد ليتكلفن وإن مات ليتركن ولده عيالاً على قومك ، فقالت ماوية : صدقت إنه كذلك.
“فقال : طلقي حاتماً وسأتزوجك وأنا خير لك منه وصاحب مال وأنا أمسك عليك وعلى ولدك، فلم يزل بها حتى حقق حُلمه فطلقت حاتماً”(1)

فبقي حاتم بعدها على حاله ينفقه ما يملك، ويطعم الناس ويقدم الغالي في سبيل قيمته الإنسانية التي يؤمن بها، حتى توفي سنة 605 هـ.

شعر حاتم الطائي في الكرم:

وَعَاذِلَةً هَبَّتْ بِلَيْلِ تَلُومُنِي
وَقَدْ غَابَ عَيُوقُ الثَّرَيَّا فَعَرَّدَا
تَلُومُ عَلَي إِعْطَانِي الْمَالَ ضِلَّةً
إذا ضَنَّ بِالْمَالِ الْبَخِيلُ وَصَرَّدَا
تَقُولُ أَلَا أَمْسِكْ عَلَيْكَ فَإِنَّنِي
أَرَى الْمَالَ عَنْدَ الْمُمْسِكِينَ مُعَبَّدَا
ذَرِينِي وَحَالِي إِنَّ مَالَكِ وَافِرٌ
وَكُلُّ امْرِي جَارِ عَلَى مَا تَعَوَّدَا
أَعَاذِلَ لَا أَلُوكِ إِلَّا خَلِيقَتِي
فَلَا تَجْعَلِي فَوْقِي لِسَانَكِ مِبْرَدًا
ذريني يكُنْ مَالِي لِعرضي جُنَّةً
يَقِي الْمَالُ عِرْضِي قَبْلَ أَنْ يَتَبَدَّدًا
أَرِينِي جَواداً مَاتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي
أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا

ويقول في قصيدة أخرى :

ولن يكسب الصعلوك مجدا ولا غنى
إذا هو لم يركب من الأمر معظما
لحا الله صعلوكا مناه وهمه
من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما

     الكاتبة: مارية الزروالي

المصادر
ــــــــــــــــــ
1- الشيخ محمد عويضة” حاتم الطائي شاعر الكرم والجود” ص 1030،دار الكتب العلمية بيروت. له

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد