أبو الطيب المتنبي… نبوغ ونباءة

المتنبي

أبو الطيب المتنبي… نبوغ ونباءة

من أرض الكوفة ونخيلها، من نهر الفرات وُلد لنا أبو الطيب المتنبي أشعر شعراء العرب في الفخر والمدح، بشهامة وعزة عربية استثنائية.

يتغنى بقصيدته ويفتخر باعتزاز قائلاً:

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والقرطاس والقلم.”

صاحب الهمة العالية والنباهة والفطانة، بخصال العرب أحب السيادة والقيادة، فكره الحاسدون أن يتولاهم فساد أهل زمانه بشعره، حاضراً من العصر العباسي حتى العصر الحديث، فإذا ذُكر الشعر ذُكر ابو الطيب المتنبي، كمدرسة للقصيدة العربية.

ارتقى بشعره فأطرب الخلفاء في مجالسهم، تعلم الفروسية والس،يف حتى عُدَّ من ألأبطال في المجال.
مولد ونشأة أبو الطيب المتنبي :

هو أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنب، من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعدة العشيرة إحدى قبائل اليمانية.

وُلد المُتنبي بالكوفة سنة 303 هـ في محلة كندة، ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه، وعاش في كنف جدته أم والدته، حيث المرجح أن والدته ماتت وهو طفل، كان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام.
رأى أبو الطيب أن استكمال علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية، فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم وعظم شأنه بينهم.

لقب أبو الطيب “المتنبي:

لُقِّب المتنبي بهذا اللقب لما جاء عنه من ورعٍ في خُلقه، فقد كان آخذاً نفسه بالجدّ ومُنصرفاً للعلم مبتعداً عن الفواحش حتى في شعره. وقد حظيَ بمنزلةٍ عظيمة عند عُلماء الأدب واللغة والنحو.

وقيل أن أبو الطيب المتنبي ادّعى النبوة والرسالة، لكن الأصل أنها مشتقة من النبوة والنباوة، وهي الارتفاع، وذلك لتميز أبو الطيب وعلو كعبه في الشعر، لكنه لم يدعِ النبوة ولا الوحي.

هذه أبيات من القصيدة التي لقب بعدها بالمتنبي يقول فيها:

ما مُقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود
مَفرِشي صهوة الحصان ولكن
قميصي مسرودة من حديد
لَأمة فاضةٌ أضاةٌ دِلاص
أحكمت نسجها يدا داود

سجن أبو الطيب المتنبي:

تحكي بعض الروايات أن أبو الطيب المتنبي سجن لأنه ادعى النبوة، وتجتمع أخرى على أنه كان قد دعا الناس لأمر ربما لم يكن النبوة ولكن للخروج على الأمير، وبذلك سجن، وكان ادعاء النبوة افتراءً على هذا الرجل الذي كان كثير الأعداء والحساد، وكان ينكرها دائماً.

وورد في “جواهر الأدب” أن الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغب على ولاتها، فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب، وتبعه منهم خلق كثير، ويخشى على ملك الشام منه، فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم، وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً. ثم استثابه وأطلقه، فخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له.(1)

وقد ظل قرابة العامين على سجنه فأنشد أبياتاً في سجنه فعفي عنه.
قال التنوخي: خرج المتنبي إلى بني كلب وأقام فيهم، وزعم أنه علوي، ثم تنبأ، فافتضح وحبس دهرا وأشرف على الق،تل، ثم تاب.(2)

وقال في استعطاف الأمير وهو في سجنه:

أمالك رِقِّي ومَن شأنُه
هباتُ اللُّجَين وعِتقُ العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجاء
والموتُ مني كحبل الوريد
دعوتك لمَّا براني البِلَى
وأوهنَ رجليَّ ثقلُ الحديد
وقد كان مشيُهما في النعال
فقد صار مشيهما في القيود
وكنتُ من الناس في محفِل
فها أنا في محفل من قرودِ

وقد كان أبو الطيب المتنبي مُدركًا لما دُبِّر ضده من مكائد، والراجح أن ادعاء النبوة كان مكيدة له، فقال بفخر بعد خروجه من سجنه معيداً الاعتبار لذاته بعد سجن طويل:

أذم إلى هذا الزمان أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغدُ
وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
ومن نكد الدنيا على الحر
أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدُّ.

المتنبي وشعره في سيف الدولة الحمداني:

بعد خروج المتنبي من سجنه استمر على شعره مدة، حتى التقى بسيف الدولة حين زار أنطاكية، وكان بها أبو الطيب.

وكان قد سمع سي،ف الدولة به وبشعره، ورأى أن يُزين به بلاطه، فقدمه إليه أبو العشائر، وعرض عليه أن يكون شاعره، ثم استغرق وقتا ليوافق، على شرط أن لا يعامل معاملة باقي شعراء، لأن الشعراء في البلاط كانوا يذلون نفسهم لسي،ف الدولة ذلاً لا يرضاه لنفسه.

وكانت قصائده في المدح أجملها في مدح سي،ف الدولة، فس،يف الدولة فارس والمتنبي فارس، كلاهما يعشق الخيل والضرب والطعان، وقد صحبه في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة قالوا إنه لم ينج منها إلا س،يف الدولة وستة نفر من صحبه، أحدهم المتنبي.

وقد كان شعر المتنبي في مدح س،يف الدولة ومدح نفسه، مستندا لشعوره بالشهامة والعزة والفخر منطلقاً من شعور دفين بالرفعة بصحبة س،يف الدولة.

مكث المتنبي مع سي،ف الدولة نحو عشر سنين من سنة 337 إلى سنة 346، أغلبها في حلب، وقال فيها نحو ثلث شعره بل وأفخمه وأجوده.

وهو القائل:

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ
وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ
وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها
وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ
يُكـلّفُ سَـي،فُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ
وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ
وَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه
وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِمُ

قصة حب بين المتنبي وخولة الحمداني :

ويظهر وجود عاطفة عميقة في حياة أبو الطيب المتنبي منذ وجوده في بلاط سيف الدولة وهو الذي كان بعيدا في أول حياته عن النساء والغزل، أحب دون أن يبوح. ولكن الشاعر مهما حاول أن يخفي ولعه وحبه تفضحه أشعاره. وربما كان المتنبي حريصًا على ألا يذكر عشقه بصورة واضحة في أبياته، لأسباب عدة من بينها أن مكانته في البلاط لا تسمح له بهذا الحب، ولأن محبوبته هي أخت سي،ف الدولة.
بعد موتها، تجلى هذا الحب واضحًا في مرثيته المشهورة لها والتي تشمل أربعة وأربعين بيتًا، ومنها:

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ
فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ
حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلًا
شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

وهنا تتبين لوعة العاشق في الفقد والوجع، وألم الفراق، رغم أن الكثير ينفي وجود علاقة بين المتنبي وخولة، لكن المتمعن يدرك أن هذه الأبيات لا تخرج إلا من قلب أضناه الألم وغلب عليه الأسى أما خولة، فهي أيضاً كانت محبة للأدب وكان لها مجلس يجتمع فيه الشعراء.

ويقول فيها أيضا:

أرَى العِرَاقَ طوِيلَ اللّيْلِ مُذ نُعِيَتْ
فكَيفَ لَيلُ فتى الفِتيانِ في حَلَبِ
يَظُنّ أنّ فُؤادي غَيرُ مُلْتَهِبٍ
وَأنّ دَمْعَ جُفُوني غَيرُ مُنسكِبِ
بَلى وَحُرْمَةِ مَنْ كانَتْ مُرَاعِيَةً
لحُرْمَةِ المَجْدِ وَالقُصّادِ وَالأدَبِ

يُقال إنه رأى خولة في أنطاكية حين التقى بسي،ف الدولة لأول مرة، فقد كان معروفًا عند الأمراء أنهم يحملون معهم بعضًا من أهلهم في ترحالهم، ربما لمح المتنبي خولة لأول مرة  هناك وعشقها ، وكانت القصيدة الأولى التي ألقاها المتنبي لس،يف الدولة في أنطاكية قد تضمنت هذه الأبيات التي تلمح إلى ولادة حب قد كتمه المتنبي في قلبه:

قِفي تَغرَمِ الأولى من اللّحظِ مُهجتي
بثانِيَةٍ والمُتْلِفُ الشّيْءَ غارِمُهْ
وما حاجةُ الأظعانِ حَوْلَكِ في الدّجى
إلى قَمَرٍ ما واجدٌ لكِ عادِمُهْ
إذا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بنَظرَةٍ
أثابَ بها مُعيي المَطيّ ورازِمُهْ

في ترك المتنبي لسي،ف الدولة الحمداني:

في شرح المعري، يُقال إن المتنبي هجى أبو الفرَج السامري بقصيدة وهو أحد كبار كتَّاب الأمير، فقال: “دعني أسعى في دمه.” فرخص له في ذلك، ولما أنشد قصيدته وانصرف، وقف له رجال في طريقه، فلما رآهم أمكن يده من قائم سيفه وحمل فاخترقهم ولم يصنعوا شيئًا. وأرسل أبو العشائر جماعة من غلمانه فوقفوا له في طريقه. فلما مرَّ بهم، ضرب واحد منهم بيده إلى عنان فرسه، فسلَّ أبو الطيب سي،فه فخلَّاه الرجل. تقدم إلى قنطرة أمامه فعبرها واجترَّهم إلى الصحراء. رمى أحد الغلمان الفرسَ بسهم فأصابه في نحره فانتزعه أبو الطيب ثم كرَّ عليهم وضرب أحدهم فقطع قوسه وأصاب ذراعه، ومضى عنهم فسمع أحدهم يقول: “نحن غلمان أبي العشائر.”

و دخل الشاعر دار الأمير بعد تسعة عشر يومًا اختفى فيها عند أصحابه وراسل فيها الأمير، فأنكر أنه أمر بما وقع للمتنبي. فتلقاه الغلمان وأدخلوه إلى خزانة الألبسة، فخُلع عليه وَطيبَ، ودخل على الأمير فرحَّب به وسأله عن حاله وهو مستحٍ، فقال له: “رأيت الموتَ عندك أحبَّ من الحياة عند غيرك.” فقال: “بل يُطيل الله بقاءك.” ثم ركب أبو الطيب وركب معه جماعة كثيرة وأتبعه الأميرُ هدايا فقال القصيدة:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل
دعا فلبَّاه قبل الركب والإبل

يُقال إنه قد ضاق به الأمر عند س،يف الدولة وكان يبتغي المنصب والولاية ثم قصد مصرا عند كافور الإخشيدي ومدحه ووعده أن يقلده إمارة أو ولاية.
فلما رأى تغاليه في مدح نفسه وفخره عدل أن يوليه, فاستأذن أبو الطيب للخروج من مصر، فأبى كافور.
، فتغفله في ليلة عيد الأضحى وخرج منها يريد الكوفة، ومنها قصد عضد الدولة بفارس مارًا ببغداد. فمدحه ومدح وزيره فأجزل صلته وعاد إلى بغداد.

الشاعر الذي قت،له شعره:

يُقال إن المتنبي ق،تله شعره بعد أن هجى ضبة بن يزيد العتبي في قصيدة أنكرها المتنبي فيما بعد. حين سمع بها فاتك بن أبي جهل الأسدي، خرج عليه وهو يخرج للكوفة. فقاتلهم المتنبي قتالًا شديدًا وق،تل شخصًا منهم، وقرر الفرار لأنهم أكثر عددًا وأراد تجنب مصير الموت على يد فاتك. إلا أن غلام المتنبي سأله: “ألست أنت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟”
فرد عليه المتنبي بالقول: “لقد ق،تلتني.. ق،تلك الله.” وقرر من فوره العودة إلى القتال بشجاعة واستبسل في المعركة حتى قُتل هو وابنه وغلامه.

وكان ذلك في منطقة تسمى “الصافية” شرقي نهر دجلة، ويرجح أنّ ذلك كان في الثامن والعشرين من رمضان في عام 354 هـ.

الكاتبة: مارية الزروالي

المصادر

1. “جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب” أحمد بن إبراهيم الهاشمي الأزهري المصري، ص 328، الجزء الأول. دار الكتب العلمية، بيروت.
2. “سير أعلام النبلاء” الإمام شمس الدين الذهبي، ص 200، الجزء السادس عشر، مؤسسة الرسالة، بيروت.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد